المسيح‭ ‬قام‭: ‬اعتناق‭ ‬نصر‭ ‬القيامة‭ ‬في‭ ‬حياتنا

بقلم‭ ‬الأب‭ ‬ماركَوس‭ ‬شمامي

“أيها‭ ‬الموت،‭ ‬أين‭ ‬شوكتك؟‭ ‬يا‭ ‬جحيم،‭ ‬أين‭ ‬نصرك؟‭ ‬المسيح‭ ‬قام،‭ ‬وأنتَ‭ ‬قد‭ ‬هُزمتَ‭! ‬المسيح‭ ‬قام،‭ ‬والشياطين‭ ‬سَقطت‭ ‬وهُزمت‭. ‬المسيح‭ ‬قام،‭ ‬والملائكة‭ ‬تفرح‭. ‬المسيح‭ ‬قام،‭ ‬والحياة‭ ‬تسود‭. ‬المسيح‭ ‬قام،‭ ‬ولا‭ ‬يبقى‭ ‬ميت‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬القبر،‭ ‬لأن‭ ‬المسيح،‭ ‬بقيامته‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأموات،‭ ‬أصبح‭ ‬باكورة‭ ‬الراقدين”‭.‬

هذه‭ ‬الكلمات‭ ‬المؤثرة‭ ‬بشّر‭ ‬بها‭ ‬القديس‭ ‬يوحنا‭ ‬الذهبي‭ ‬الفم‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬1600‭ ‬عام،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬لها‭ ‬صدى‭ ‬عميقًا‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬كل‭ ‬مسيحي‭ ‬اليوم،‭ ‬إذ‭ ‬إنها‭ ‬تحتفل‭ ‬بأهم‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البشرية،‭ ‬وأساس‭ ‬الإيمان‭ ‬المسيحي‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬قيامة‭ ‬يسوع‭ ‬المسيح‭. ‬فبقيامة‭ ‬يسوع‭ ‬المسيح،‭ ‬هُزم‭ ‬الموت،‭ ‬ودُحرت‭ ‬الخطيئة،‭ ‬ووُهبت‭ ‬حياة‭ ‬جديدة‭ ‬لجميع‭ ‬تلاميذه‭ ‬والمؤمنين‭ ‬به‭.‬

يبدأ‭ ‬شريان‭ ‬حياة‭ ‬المسيحي‭ ‬بالقيامة‭. ‬فبدونها،‭ ‬لا‭ ‬أمل‭ ‬لنا،‭ ‬وسنُحاط‭ ‬بالظلام‭ ‬والخوف‭. ‬ولولا‭ ‬القيامة،‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬يسوع‭ ‬سوى‭ ‬مُعلّم‭ ‬عظيم،‭ ‬وفيلسوف‭ ‬حكيم،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬تعاليمه‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬قيّمة،‭ ‬لتؤدي‭ ‬إلى‭ ‬خلاص‭ ‬النفوس‭. ‬لكن‭ ‬بقيامته‭ ‬من‭ ‬القبر،‭ ‬يُثبت‭ ‬يسوع‭ ‬أنه‭ ‬ابن‭ ‬الله‭ ‬حقًا،‭ ‬وأن‭ ‬لديه‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬قهر‭ ‬الخطيئة‭ ‬وثمرتها،‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ ‬الموت‭ ‬نفسه‭!‬

تؤكد‭ ‬لنا‭ ‬القيامة‭ ‬أن‭ ‬وعد‭ ‬الله‭ ‬للبشرية‭ ‬كان‭ ‬صادقًا،‭ ‬وأن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يؤمن‭ ‬ويتحد‭ ‬بابنه‭ ‬سيشارك‭ ‬في‭ ‬نصرهِ‭ ‬على‭ ‬الخطيئة‭ ‬والموت،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬حقًا‭ ‬الرجاء‭ ‬والنصر‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬المسيحي‭ ‬فرحًا‭ ‬حقيقيًا‭. ‬فالقيامة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬حدث‭ ‬تاريخي‭ ‬وقع‭ ‬قبل‭ ‬ألفي‭ ‬عام،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬نصر‭ ‬أبدي‭ ‬يُغير‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬حقًا‭ - ‬ويعني‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬والنور،‭ ‬لا‭ ‬الموت‭ ‬والظلام،‭ ‬هما‭ ‬اللذان‭ ‬يسودان‭ ‬حقًا‭.‬

في‭ ‬مطلع‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي‭ (‬اذار‭) ‬بدأنا‭ ‬زمن‭ ‬الصوم‭ ‬الكبير،‭ ‬وهو‭ ‬زمن‭ ‬مقدس‭ ‬للكلدان‭ ‬الكاثوليك‭ - ‬ولجميع‭ ‬المسيحيين‭ - ‬للتأمل‭ ‬في‭ ‬حياتنا،‭ ‬والتوبة‭ ‬والابتعاد‭ ‬عن‭ ‬الخطيئة‭ ‬التي‭ ‬تفصلنا‭ ‬عن‭ ‬الله،‭ ‬وتجديد‭ ‬حياتنا‭ ‬الروحية‭. ‬الصوم‭ ‬الكبير‭ ‬هو‭ ‬وقت‭ ‬للتأمل‭ ‬في‭ ‬حياتنا،‭ ‬والسماح‭ ‬لله‭ ‬أن‭ ‬يُنير‭ ‬لنا‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬كنا‭ ‬نعيش‭ ‬فيه‭ ‬في‭ ‬الخطيئة‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬نهمله‭.‬

خلال‭ ‬الصوم‭ ‬الكبير،‭ ‬نُؤمر‭ ‬بالصوم‭ ‬والصلاة‭ ‬والصدقة‭ ‬كوسيلة‭ ‬للاستعداد‭ ‬للاتحاد‭ ‬بالمسيح‭ ‬ونيل‭ ‬عطية‭ ‬القيامة‭ ‬العظيمة‭ ‬صباح‭ ‬عيد‭ ‬الفصح‭. ‬وبالصوم،‭ ‬نتخلى‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يُشتت‭ ‬انتباهنا‭ ‬عن‭ ‬الله،‭ ‬ونتعلم‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليه‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭. ‬بالصلاة،‭ ‬نُعمّق‭ ‬علاقتنا‭ ‬بالله،‭ ‬ونُتيح‭ ‬لأنفسنا‭ ‬فرصةً‭ ‬أكبر‭ ‬للانفتاح‭ ‬على‭ ‬قدرته‭ ‬المُغيّرة‭. ‬وبالصدقة،‭ ‬نُذكّر‭ ‬بخدمة‭ ‬الآخرين‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬يسوع‭.‬

وبينما‭ ‬يُمثل‭ ‬الصوم‭ ‬فرصةً‭ ‬للتأمل‭ ‬في‭ ‬الخطيئة‭ ‬وعواقبها،‭ ‬لا‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نغفل‭ ‬عنه‭ ‬كموسم‭ ‬أمل،‭ ‬إذ‭ ‬يقودنا‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬نصر‭ ‬القيامة‭ ‬المجيد‭.‬‭ ‬نقرأ‭ ‬كلمات‭ ‬القديس‭ ‬يوحنا‭ ‬الذهبي‭ ‬الفم‭: ‬“يا‭ ‬موت،‭ ‬أين‭ ‬شوكتك؟”‭ ‬التي‭ ‬تُذكرنا‭ ‬بأننا،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬يسوع‭ ‬المسيح،‭ ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬نخشى‭ ‬الخطيئة‭ ‬ولا‭ ‬الموت‭ ‬لأنه‭ ‬قد‭ ‬انتصر‭ ‬في‭ ‬المعركة‭ ‬من‭ ‬أجلنا‭. ‬الصوم‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬إنكار‭ ‬للذات،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬استعدادٌ‭ ‬لتجربة‭ ‬الفرح‭ ‬التحويلي‭ ‬الذي‭ ‬يصاحب‭ ‬القيامة‭.‬

‭ ‬الصوم‭ ‬يُتيح‭ ‬لكلٍّ‭ ‬منا،‭ ‬كأتباع‭ ‬للمسيح،‭ ‬فرصةً‭ ‬فريدةً‭ ‬لتجربة‭ ‬انتصار‭ ‬يسوع،‭ ‬بطريقة‭ ‬شخصية‭. ‬الصوم‭ ‬هو‭ ‬وقتٌ‭ ‬للاتحاد‭ ‬بيسوع،‭ ‬فلا‭ ‬يكون‭ ‬عيد‭ ‬الفصح‭ ‬مجرد‭ ‬ذكرى‭ ‬لحدث،‭ ‬بل‭ ‬مشاركةً‭ ‬في‭ ‬معاناته‭ ‬وموته‭ ‬وقيامته‭. ‬وحينما‭ ‬نتعمق‭ ‬في‭ ‬الصوم‭ ‬والصلاة‭ ‬والصدقة،‭ ‬فإننا‭ ‬مدعوون‭ ‬للانضمام‭ ‬إلى‭ ‬تضحية‭ ‬يسوع‭ ‬في‭ ‬صراعاتنا،‭ ‬وكلما‭ ‬سلّمنا‭ ‬ذواتنا‭ ‬أكثر،‭ ‬اختبرنا‭ ‬بشكل‭ ‬أعمق‭ ‬الحرية‭ ‬التي‭ ‬نالها‭ ‬يسوع‭ ‬المسيح‭ ‬لكلّ‭ ‬واحد‭ ‬منّا‭.‬

بعد‭ ‬أن‭ ‬نسير‭ ‬بإيمان‭ ‬مع‭ ‬يسوع‭ ‬حتى‭ ‬الصليب‭ ‬خلال‭ ‬الصوم‭ ‬الكبير،‭ ‬ونسعى‭ ‬للتضحية‭ ‬بالنفس‭ ‬ومحو‭ ‬الخطيئة‭ ‬من‭ ‬حياتنا،‭ ‬نصبح‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬مجد‭ ‬الفصح‭. ‬“قام‭ ‬المسيح،‭ ‬والحياة‭ ‬تسود‭!‬”‭ ‬يعلن‭ ‬القديس‭ ‬يوحنا‭ ‬الذهبي‭ ‬الفم،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬يسوع‭ ‬المسيح‭ ‬قد‭ ‬جلب‭ ‬حياة‭ ‬جديدة‭ ‬وخليقة‭ ‬جديدة،‭ ‬وصالحنا‭ ‬مع‭ ‬الله‭ ‬الآب‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬أساس‭ ‬إيماننا،‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬يعني‭ ‬أننا‭ ‬جميعًا‭ ‬نشارك‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬نصره،‭ ‬وبفضله،‭ ‬لدينا‭ ‬الآن‭ ‬رجاء‭ ‬الحياة‭ ‬الأبدية،‭ ‬ولم‭ ‬نعد‭ ‬عبيدًا‭ ‬للخطيئة‭ ‬والظلمة،‭ ‬بل‭ ‬أصبحنا‭ ‬أحرارًا‭ ‬في‭ ‬نور‭ ‬الله‭ ‬ومحبته،‭ ‬وورثة‭ ‬لملكوت‭ ‬الله‭.‬

القيامة‭ ‬هي‭ ‬أعظم‭ ‬هبة‭ ‬منحنا‭ ‬إياها‭ ‬الله‭. ‬إذ‭ ‬إنها‭ ‬تمنحنا‭ ‬حياة‭ ‬جديدة،‭ ‬ورجاءً‭ ‬أبديًا،‭ ‬وانتصارًا‭ ‬على‭ ‬الخطيئة‭ ‬والموت‭. ‬لكن‭ ‬السؤال‭ ‬المطروح‭ ‬علينا‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬مستعدين‭ ‬لقبول‭ ‬هذه‭ ‬الهبة؟‭ ‬تذكروا،‭ ‬بصفتكم‭ ‬تلاميذًا‭ ‬ليسوع،‭ ‬لا‭ ‬تجتازوا‭ ‬هذا‭ ‬الصوم‭ ‬الكبير‭ ‬وعيد‭ ‬الفصح‭ ‬كمجرد‭ ‬ملاحظة‭ ‬حدث‭ ‬عابر؛‭ ‬بل‭ ‬أنتم‭ ‬مدعوٌّين‭ ‬للانخراط‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬يسوع‭ ‬المسيح‭ ‬ذاتها،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أنكم‭ ‬مدعوٌينّ‭ ‬للاستجابة‭ ‬الشخصية‭ ‬ليسوع‭ ‬المسيح،‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬تسليم‭ ‬حياتكم‭ ‬له،‭ ‬والثقة‭ ‬بانتصاره‭ ‬العظيم‭.‬

وإذا‭ ‬لم‭ ‬تتحدوا‭ ‬بعدُ‭ ‬بيسوع‭ ‬المسيح‭ ‬اتحادًا‭ ‬كاملًا،‭ ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬يمنعكم‭ ‬من‭ ‬ذلك؟‭ ‬إذ‭ ‬مهما‭ ‬بَلغتم‭ ‬في‭ ‬رحلتكم‭ ‬الروحية،‭ ‬يدعوكم‭ ‬يسوع‭ ‬المسيح‭ ‬لتجربة‭ ‬ملء‭ ‬الحياة‭ ‬وقيامته‭. ‬إنه‭ ‬ينتظر‭ ‬ليشارككم‭ ‬انتصاره‭ ‬على‭ ‬الخطيئة‭ ‬والظلمة‭.‬